اصبح كل الناس على عجلة من أمرهم. الكل مستعجل و الكل يجري و الكل يعتذر بضيق الوقت. ولا ادري لماذا اصبح الجميع على عجلة من أمرهم.
حتى انت حينما تكون في وقت فراغك وليس هناك كثير مهام ستكون مستعجلا !!
دائما تسرع الخطى في المواصلات و الشارع, و لو وصلت الى المكان المحدد قبل الميعاد بعشر دقائق, فانت حتما ستشعر بملل شديد.
و ستشعر بالاستعجال اذا كنت ذاهبا في نزهة, و بالاستعجال بعد ان تنتهي منها.
ربما هي حالة عامة يعاني منها الجميع بالرغم اننا في عصر تقريب المسافات.
فانا اعود من عملي بعد عشر دقائق, في حين انه من 100 عام كنت سآخذ خمسون دقيقة.
الجدير بالذكر انه من المفترض انه تم توفير الكثير من الوقت بسبب وسائل الاتصال كالبريد و التليفون و غيرها الكثير من الوسائل التي تعمل على توفير الوقت و الجهد.
ربما كنت ساجد هذا الاستعجال مبررا اذا كانت امتنا تقود الأمم, أما و إننا الان في ذيل الامم, اما و اننا الان مستهلكون, هامشيون, متطفلون على الامم... فما هو المبرر من هذا الاستعجال الذي نعانيه؟؟؟
هذه هي المشكلة, و السبب قد تتعجبون منه و قد لا تكملون القراءة اذا عرفتوه الا انه و في كلمة واحدة "التلفزيون" هذا الاختراع الذي كان في وقت من الأوقات من الرفاهية, ثم أصبح من الكماليات, ثم أصبح من الضروريات.
و بما انني بدات مرحلة عدم التسليم بمسلمات المجتمع, او في مرحلة التسجيل في حياتي فلابد ان اسال, لماذا هو من الضروريات؟؟؟ هل يستحق ان يكون من الضروريات؟؟؟ هل المنزل الذي يملك هذا الجهاز اقل ثقافة و تعلما او حتى ادبا من هذا الذي لا يملكه؟
و انا لم اتهم المدنيّة كسبب من اسباب شعورنا بالاستعجال, بل لم اتهم اجهزة منزلية اخري كالرديوا او الكمبيوتر, و لكني اتهم التلفزيون و التلفزيون فقط !!!
فالردايو -في رأيي- من الاجهزة التي لا تمنعك عن ممارسة حياتك, فانت تستطيع ممارسة حياتك كاملة بما فيها النوم مع وجود الراديو. و كذلك الكمبوتر الذي قد تشعر بالارهاق بعد استخدامه فترة طويلة.
اما التلفزيون فيعتبر من اخطر الاجهزة لعدة اسباب منها:
انه يقتل الوقت, فهذا الشخص الذي يكون متعجلا حتى في تناول غدائه, ستجده يجلس اكثر من ثلاث ساعات دون ان ياتيه الشعور بالملل و الذي سيتغلب عليه باختيار محطة اخري ليجلس ثلاث ساعات اخري !!
و السبب الاخر انك لا يمكنك اختيار ما سيدخل بيتك, و جميع ما يدخل بيتك مفروض عليك. و ان اعتقدت يوما انك تختار ما يدخل عن طريق اختيار المحطة, فدعنى اخبرك انك مخدوع يا عزيزي, صدقني لابد ان تشاهد الموضوع قبل ان تقرر المشاهدة من عدمها, و في هذا قتل شديد للوقت.
بل انني لم اري في حياتي هذا الذي يشاهد هذه البرامج الهادفة فقط على طول الخط, فلابد انك ستضعف في احد اللحظات.
- فانتي با ربة المنزل سترين في هذا الجهاز كل ما هو مفيد و عجيب, و سيجعلك ربة منزل لهلوبة و ستصنعين وصفات شهية و ممتازة لاسرتك, و لكن احذري, فهذا الجهاز سيخبرك ايضا كيف تتصنتين على زوجك و كيف تكتشفين خيانته, او على الاقل كيف تعكرين صفو حياته. و كيف لا تجعلين هذه المخلوقات المسماة تجاوزا بالرجال ان يتحكموا في حياتك بعد الان.
- و انت ايها الطفل البرئ, هل شاهدت سوبر مان و كيف يستطيع عمل اي شئ و كل شئ, و كم من طفل القى نفسه من النافذة ظننا انه سوبر مان, بل انني اصبحت اري رجال شيوخ هذه الامة ممن ينتظرون سوبر مان الذي سياتي ليخلصهم.
- و انت ايها الشاب المسكين هل شاهدت هذا البطل متعكر المزاج الذي يقتل الأشرار بمسدسه و لا يستطيع احد مبارزته او مجاراته, أتدري ممكن قوته, ان لك يدا كما ان له يدا و قدما كالتي عنده, ولكنك حتما ليست عندك هذه السيجارة التي في فمه, لابد انها مركز قوته و رجولته.
- و انتي يا بنيتي, هل رايتي نظرائك في قنوات الخلاعة, هل رايتي كم هم جميلات و كم يلاطفهن الشباب, هل انتي اقل منهن حتى تعرفي العديد منهم؟
- و انت ايها البائس الذي اظلمت الدنيا في وجهك, هل انت محبط حقا؟ هل اغلقت دونك كل الابواب؟ لا,,,, لم تغلق كل الابواب في وجهك, فمازال هناك بابا ما يزال مفتوحا و تستطيع الدخول وقتما شئت, باب واحد لا شريك له. انه باب الحانة, انها الكاس او المخدرات او قعدة المزاج و الدماغ, فهناك ستنسى كل همومك التي شكلت صداعا في راسك و حتما ستقابل بجوارك على البار من يعطيك نصيحة تخرجك مما انت فيه. بل و ستخرج فعلا بفضل الكاس و الدماغ العالية.
الم تصبح مشاهد الحشيش و الدعارة من الثوابت في كل افلامنا؟
- بل انك لو انك انسان تبحث عن الموضوع, ستشغلك امورا مثل هل ستنسب البنت لاحمد الفيشاوي ام هند الحناوي؟ و ما رايك في البهائية و الشيعة و مرتضى منصور و من سيفوز في ستار اكاديمي, و هل يكون النسب للوالد ام الوالدة في البطاقة الشخصية, و حتى دينا -الراقصة المحترمة- ستحدثك عن الدين و القضاء و القدر.
ستجد نفسك مشغولا في قضايا تافهة غصبا عنك. و قد تفكر فيها ليلا و قد تشارك في احد البرامج لتقول رأيك.
فولله ان الحياة قصيرة جدا جدا جدا على ان تبحث عن الهادف في هذا الجهاز, هذا ان كنت من أصلا من هولاء الباحثين. و ستصحو في احد الايام لتجد انه قد مر من حياتك ستون سنة و لم تحرك ساكنا. فمابالك بمن يبحث عن التسلية و قتل الوقت الذي دائما ما يعتذر به. ما بالك بهذا الذي يبحث عن عبارة "نتحدي الملل"؟
الم يعلم ان هناك من ينخر في جسده اثناء غيابه, ان هناك من يفرق بينه و بين زوجته و من يعلم بنته الميوعة و ابنه الانحراف.
لذلك اعرض عليكم هذه التجربة التي ربما ستغير حياتكم و ارجو ان تاخذوها على محمل الجد, فقط تخلو عن التلفزيون لمدة اسبوع....اسبوع واحد فقط, لا.. اسبوع كتير, خليه يوم واحد فقط, و ليكن يوم الاجازة بشرط ان تقضيه بالكامل في المنزل و ستعرف عن ماذا اتحدث, ستشعر ان هذا اليوم دهرا !!و لكن و ارجو ان تكون صادقا و لا تضعف ولو لدقائق. فالتجربة ستكون فاشلة لو ضعفت لدقيقة واحدة.
سيكون الامر صعبا في البداية فقط, و لكنه سيكون ممتعا بعد ذلك.
و هذه ليست دعوة للانغلاق على نفسك او العزلة,, لا و الله بل انها دعوة للانفتاح,
دعوة لقراءة كتاب.
دعوة للجلوس و التحدث مع زوجتك و اولادك
دعوة للسؤال على اقاربك عن طريق الهاتف.
دعوة لمتابعة اخبار العالم, حيث سيكون هذا الموضوع اكثر اهمية اذا اغلقت التلفزيون.
دعوة لتعلم شيئا كنت تود تعلمه.
دعوة لعمل تجربة كنت تريد عملها.
دعوة لمساعدة احد ابنائك في استذكار دروسه.
دعوة لعدم مشاهدة الافلام التي تستمر لاكثر من ثلاث ساعات (بحساب الفواصل الإعلانية).
دعوة لعدم مشاهدة قنوات الاغاني التي جل ما تفعله هو تصدير الميوعة لنا.
الغريب انني قرات عن ان بعض المدراس الانجليزية و الالمانية تحظر على طلابها مشاهدة التلفزيون باي شكل بما فيها افلام الكرتون و تاخذ تعهدات كتابية من ابائهم على ذلك بحجة ان هذا الجهاز خطير و يشوش العقل و يقتل الخيال, و الا سيتم تسريحهم من الدراسة.
انا لست افضل حلا, ولكني ارجو ان يوفقني الله للتخلي عن هذا الجهاز, فقد مر اكثر من ربع قرن و هو في بيتي, و ارجو ان يكون الباقي من حياتي اكثر انجازا.
ارجو ان تكون صريحا مع نفسك و تقييم هذا الجهاز, هل سيجعل حياتك افضل ام لا؟و هل الحياة افضل به ام بدونه؟؟؟؟
لا تجب الان, جرب اولا.
احمد